القاعــــــدة الثانـــيــــــة
(أنّهم يقولون: ما دعوناهم وتوجّهنا إليهم إلا لطلب القُرْبة والشفاعة، فدليل القُربة قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزمر:3]. ودليل الشفاعة قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } [يونس:18].
والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفيّة، وشفاعة مثبَتة.
فالشفاعة المنفيّة: ما كانت تُطلب مِن غير الله فيما لا يقدرُ عليه إلا الله، والدليل: قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة:254].
والشفاعةُ المثبَتَةُ هي: التي تُطلب من الله، والشّافع مُكْرَمٌ بالشفاعة، والمشفوع له: من رضيَ اللهُ قوله وعمله بعد الإذن كما قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255]).
1- أن المشركين معترفون أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر أمور الكون إلا الله.
2- وإنما يعبدون من دون الله ما يعبدون لأجل:
أ- القرب من الله تعالى.
ب- الشفاعة لهم عنده. ويحسبون أنَّ هذا العذر نافع لهم، وهو صريح الشِّرك.
3- أنَّ هذا الاعتقاد منهم شركٌ أكبر، وأنَّ هذا الكلام إنما زادهم كفرًا إلى كفرهم، ولم يزل النبي ﷺ يدعوهم إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، ويقاتلهم على ذلك.
قوله: (أنّهم يقولون: ما دعوناهم وتوجّهنا إليهم إلا لطلب القُرْبة والشفاعة): هذا تصريح منهم أنهم ما عبدوهم وصرفوا لهم أنواع العبادات لأنها تخلق وتررزق وتملك الخلق وتدبر شئونهم. وهو مستفاد من النفي والإثبات.
ويردُ هاهُنَا سُؤال: وهو: لماذا صرَفوا العبادات لمن يعلمون أنه لا يخلُق ولا يرزُق ولا يدبِّر أمور الكون؟
الجواب: أنَّهم يصرفون لها العبادات من الدعاء والاستغاثة والتوكل ونحوها لأمرين:
1ـ لأجْل أنْ تقرّبهم إلى الله زلفى.
2ـ لأجل التوسُّط بهم لرفع حاجاتهم والاستشفاع بهم.
هذا اعتقاد المشركين الأوائل، وأصل شركهم، وهو في الألوهية، وأكبر أسباب شركهم بالله تعالى من هذا القبيل الذي ذكروه، فوقعوا في الشرك الأكبر من هذين البابين، وهما:
ـ اتخاذ الوسائط التي زعموا أنها تقربهم من الله.
ـ اتخاذ الشفعاء الذين يرفعون حوائجهم إلى الله فتقضيها لهم.
مع ما ينضاف إلى ذلك من : محبتها، والتعصب لها، والغضب لها، والاستبشار بذكرها، والخضوع لها، «كما هو حال أكثر مشركي العالم بل كلهم: يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ويستبشرون بذكْرهم أعظم مِن استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لتنقُّص معبوديهم وآلهتهم مِن المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحدٌ ربَّ العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد([1])، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش، فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه وهو لا ينكر ذلك»([2]).
منشأ هذا الشرك:
نشأ هذا الجرم العظيم والشرك الأكبر من جهلهم بالله تعالى، واعتقادهم أن شركاءهم يشفعون لهم كما يشفع الشافع من خواص الملك عند الملك ونحوه.
وقد نبه على هذا ابن القيم وابن كثير، والسعدي، وغيرهم.
قال ابن القيم رحمه الله : «ومن جهْل المشرك: اعتقاده أنَّ مَن اتخذه وليًّا أو شفيعًا: أنَّه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون خواصّ الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم»([3]).
وسيأتي ما يتعلق بهذا قريبًا من كلام ابن كثير، والسعدي.
قوله: (فدليل القُربة قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزمر:3].)
قبل هذه الآية: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ } [الزمر: 2، 3].
فأمر سبحانه أولًا بعبادته وتوحيده وإخلاص الدين له، ثم بين أنه سبحانه لا يرضى ولا يقبل إلا الدين الخالص، والتوحيد الذي لا شرك معه، وبيَّن أنه أغنى الشركاء عن الشِّرك.
وبعد أنْ أمر بالتوحيد وإخلاص الدين له بيَّن: شبهةَ الكفار المشركين به غيره.
قال ابن كثير رحمه الله : «قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله، وحده لا شريك له. ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصْرهم ورزْقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسّدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: ليشفعوا لنا، ويقرِّبونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجُّوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك». وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل:36] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه،: { فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ } [النحل:74]، تعالى الله عن ذلك».
وقال السعدي رحمه الله : «لما أمر بالتوحيد والإخلاص نهى عن الشرك به وأخبر بذم من أشرك به فقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، معتذرين عن أنفسهم وقائلين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا. أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء الملِك العَظِيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم أنَّ الملوك كما أنه لا يُوصَل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أنَّ الله تعالى كذلك؟!.
وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلًا ونقلًا وفطرة: فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم:
ـ لأنهم لا يعلمون أحوالهم فيحتاج من يعلّمهم بأحوالهم.
ـ وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطِّفه عليهم ويسترحمه لهم.
ـ ويحتاجون إلى الشُّفعاء والوُزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم.
ـ وهم أيضًا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.
وأمَّا الرَّب سبحانه تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحمًا لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئًا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط. وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها.
فبهذه الفروق يُعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه. ويُعلم أيضًا الحكمة في كون الشرك لا يغفره الله تعالى، لأنه يتضمَّن القدح في الله تعالى، ولهذا قال حاكما بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
قوله: (ودليل الشفاعة قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } [يونس:18]).
هذه شبهتهم واعتقادهم وهذا جهلهم العظيم بالله سبحانه، وليس هذا بنافعهم، بل قولهم ما دعوناهم إلا لأجل الشفاعة لنا، هذا ظاهر الفساد والبطلان، لأن الشفاعة التي طلبوها منفية من وجوه كثيرة منها:
ـ طلبهم من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا قد ذكره الشيخ.
ـ أنَّ الشفاعة لا تكون للكفار والمشركين لقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]، وقال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، ولقوله تعالى عن أهل النار: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء: 100]
قال ابن كثير رحمه الله عند آية المدثر السابقة: «أي: لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحلّ قابلًا فأمَّا مَن وافى الله كافرًا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة، خالدًا فيها».
قال شيخ الإسلام رحمه الله : «الشفاعة هي لأهل الإخلاص بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله»([4]).
ـ إثباتهم شفعاء لم يأذن الله لهم، وهذا قد أبطله الله وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. بل حكم الله سبحانه عليهم بالكفر والشرك، لهذا القول. وذلك: في قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس:18].
قال ابن كثير رحمه الله -عند هذه الآية-: «ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتُها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئًا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدا؛ ولهذا قال تعالى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، ثم نزه نفسه عن شركهم وكفرهم، فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}».
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله : «ادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه: من أنواع الكفر به جلَّ وعَلا، كما صرَّح بذلك في قوله: { وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله : «وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى لأنهم أشركوهم في خلق السماوات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما قالوه! فهم مقرُّون بالله في نفس كلمات كفرهم وأنهم شفعاء عند الله. قال الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شِركًا، ونزَّه نفسه عنه، لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهلٌ لها ولا يُغنُون عنهم مِنَ الله شيئًا»([5]).
قوله: (والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفيّة وشفاعة مثبَتة).
غرض الشيخ من تقسيم الشفاعة إبطال اعتقاد المشركين وبيان جهلهم وسخافة عقولهم لاستعمالهم الشفاعة المنفية وتركهم الشفاعة المثبتة وهذا من تلاعب الشيطان بهم، وكانوا كمَن أراد الدواء لمرضه وسقمه ولكن بما يزيدهم سقما وربما أدى بهم إلى التلف.
وفي هذا التقسيم من الشيخ رحمه الله إشارة مهمة إلى كيفية الرد على المشركين في زماننا إذا استندوا إلى أدلة عامّة في الشفاعة لم يفهموها على وجهها كما ينبغي، وزعموا أنها تدل على شركهم.
فتقول له: الشفاعة تنقسم إلى قسمين: مثبتة ولها شروط، ومنفية، وهي التي : يطلبونها بعينها. وستعرف الآن كيف توضح له ذلك.
وحاصل المنفية: هي الشفاعة للمشركين، أو لغيرهم بدون إذن.
وحاصل المثبتة: أنها الشَّفاعة للموحدين بإذنه تعالى. وانتفاء الأولى وثبوت الثانية: بالكتاب والسنة والإجماع.
قوله: (فالشفاعة المنفيّة ما كانت تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلاّ الله، والدليل: قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة:254]).
تضمَّنت هذه الفقرة أمرين:
1ـ كونهم يطلبون من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله: وهذه تسوية منهم للمخلوق بالخالق، والمملوك بالمالك.
قال ابن القيم رحمه الله : «وأما الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه: هو أن يتخذ من دون الله ندًّا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 97-98]، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة ... وزعمهم أنَّ ما اتخذ إلها أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده ووسيلته إليه»([6]).
وقال الصَّنعاني رحمه الله : «وقد عرفُوا ذلك وهم في طبقات النَّار فقالوا: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 97-98] مع أنهم لم يُسَوُّوهم به من كل وجه ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أنَّ خلْطَهم الإقرار بتوحيد الربوبية: بذرةٍ من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيَّرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام، قال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} أي ما يقر أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلَقَه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان»([7]).
2ـ التعجب من جهل المشركين حيث عمَدُوا إلى الشَّفاعة المنفيَّة فطلبوها!!. فأغْلَقُوا بابَ الشَّفاعة دونَهم بأيديهم مِن حيث أرادوا فتحَه لهم.
قال ابنُ القيم رحمه الله : «ومن جهل المشرك: اعتقاده أن مَن اتخذه وليًّا أو شفيعًا: أنه يشفع له وينفعُه عند الله!، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قولَه وعملَه، كما قال تعالى في الفصل الأول: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255]، وفي الفصل الثاني: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [ الأنبياء : 28 ]، وبقي فصل ثالث: وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يُسأل الأولين والآخرين، كما قال أبو العالية رحمه الله: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ، وماذا أجبتم المرسلين.
فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها:
1ـ لا شفاعة إلا بإذنه.
2ـ ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله.
3ـ ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.
فالله تعالى: لا يغفر شرك العادلين به غيره كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} الأنعام: 1، وأصح القولين: أنَّهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة كما في قوله: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 97:98]»([8]).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : «الذي تنال به الشفاعة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تُنال بتولي غير الله لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين، فمَن وَالى أحدًا من هؤلاء ودعاه وحجّ إلى قبره أو موضعه ونذرَ له وحلف به وقرَّب له القرابين ليشفع له لم يُغْنِ ذلك عنه من الله شيئًا، وكان مِن أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره، فإن الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله وإخلاص القلب والدين له، ومن تولَّى أحدًا من دون الله فهو مشرك. فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرِّم عليهم الشفاعة، فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصَّالحين ليشفعوا لهم كانت عبادتُهم إياهم وإشراكُهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم به: حُرمُوا شفاعتهم، وعُوقبوا بنقيض قصدهم لأنهم أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانًا، وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك أو هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون وكما يظنه النصارى ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام الذين يدعون غير الله و يحجُّون إلى قبره أو مكانه و ينذرون له و يحلفون به و يظنون أنه بهذا يصير شفيعًا لهم، قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبيَّن الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله كما بيَّن أنهم لا يملكون الشفاعة وهذا لا استثناء فيه»([9]). قوله: (والشفاعة المثبَتة هي: التي تُطلب من الله، والشّافع مُكْرَمٌ بالشفاعة، والمشفوع له: من رضيَ اللهُ قوله وعمله بعد الإذن كما قال تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255]).
اشتملت هذه الفقرة على: بيان الشفاعة المثبتة وبيان شروطها.
وحاصل الشفاعة المثبتة: أنها التي أثبتها الله وهي الشفاعة الصادرة بإذن الله تعالى لمن وحَّده([10]).
ولابد من توفر الشروط في الشفاعة وحاصلها:
1ـ الإذن للشافع لقوله تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255]، وقوله تعالى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } [النجم: 26]، ولقوله: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].
2ـ الرِّضا عن المشفوع له، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، ولا يرضى عنه حتى يكون مسلما لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ولقوله تعالى: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } [الزمر: 7]. فلا بد ـ كما سبق ـ من كون المشفوع له حنيفًا مسلمًا.
وقوله: (والشافع مكرَم): قال شيخ الإسلام رحمه الله : «الله هو الذي يتفضَّل على أهل الاخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليُكرمَه بذلك»([11]).
وأراد الشيخ بيان بطلان قول المشركين ومناقضته لهذا الأصل. وذلك لاعتقادهم أن شركاءهم يشفعون لهم كما يشفع الوزراء عند ملوك الدنيا، وأنَّ الشفيع كما أنه يشفع الطالب ـ أي يصير به شفعًا ـ أيضًا يشفع المشفوع إليه، أي: بشفاعته صار فاعلًا مجيبًا ناصرًا، وهذا باطل؛ فإن الله تعالى أحد، لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والأمر كله والفضل كله إليه.
وسيِّد الشفعاء يوم القيامة إذا سجَد وحمد الله تعالى فقال له الله: «ارفع رأسك، وقل يُسمع، واسأل تُعْطه، واشفع تشفع، فيحد له حدًّا فيدخلهم الجنة»، فالأمر كله لله، كما قال تعالى: { قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } وقال تعالى: { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ }
وإذنه سبحانه للشافع إكرام منه بقبول شفاعته، ففي الصَّحيح أن النبي ﷺ قال: «يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»([12]).
فإذا كان سيِّد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخصّ الناس به: لا أملك لكم من الله مِن شيء، فما الظن بغيره؟.
وإذا دَعَاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسَمِع الدعاءَ، وقَبِل الشفاعةَ، لم يكن هذا هو المؤثِّر فيه كما يؤثِّر المخلوق في المخلوق، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدْعُو ويَشْفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفّق العبد للتوبة ثم قَبِلَها، وهو الذي وفَّقه للعمل ثمَّ أثابه، وهو الذي وفقه للدُّعاء ثم أجابه([13]).
وقوله: (والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله):
وهو المسلم، فإن الله تعالى إنما يرضى ويقبل الإسلام والمسلم، وأمَّا المشرك والشرك فلا يرضاه بل يعاقب عليه.
قال ابن القيم رحمه الله : «تأمل قول النبي ﷺ لأبي هريرة وقد سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» كيف جعل أعظم الأسباب التي تُنال بها شفاعته: تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تُنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء! وعبادتهم وموالاتهم من دون الله!! فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر: أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع»([14]).
بيان بطلان شبهة المشركين بالله سبحانه بعبادة غيره، قديمًا وحديثًا، والتي حاصلها: أنهم لم يعتقدوا أنّ ما يَصرفون له العبادات: أنَّه خَلَق السماوات والأرض وما فيهما، أو أنَّه يُدبِّر شئونهما، وأنَّهم إنَّمـا يتوسَّطون بهم طلبًا للقُربة والشَّفاعة!، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم ويقضُوا حوائجهم ... الخ. ويظنون أنَّهم بذلك على صواب!.
وهذا ظنٌّ سخيف يدل على بالغ جهل صاحبه، وشبهة ساقطة، فهذا الذي فعلوه هو الشرك بعينه الذي كان عليه مشركوا قريش والأمم الأخرى المشركة، وهو الذي أنكره الله عليهم، وقاتلهم الرسول وأتباعه مِن أجله، وأمرهم بتركه وإخلاص العبادة لله وحده، فاقرأ الآيتين السابقتين في كلام المؤلف ففيهما بيان واضح للحكم الصريح من الله على مَن تمسَّك بالشبهة السابقة: أنه مشرك بالله العظيم، وأنه كافر بالله. قال الله تعالى: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزمر:3].
وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس: 18].
فقولهم: (إنما نعبدهم ليقرِّبونا إلى الله) وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا): هذه هي شبهة المشركين الأوائل، مع اعترافهم بأنَّ الله هو الخالق كما سبق في القاعدة الأولى. وتلقّف هذه الشبهة عنهم جميعُ المشركين في سائر الأزمان كما سبق عن الإمام ابن كثير. ودعواهم: أنهم لا غنى لهم عن واسطة بينهم وبين الله سبحانه في قضاء الحوائج ورفعة الدرجات، وهذا كفر صريح وشرك واضح بالله العظيم.
سئل شيخ الإسلام رحمه الله : عن رجل قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إنْ أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق فإنَّ الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه: فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار، وإنما الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال الله: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } وقال: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } وقال: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وقال تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كُفْر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين.
ومشايخ العلم والدِّين:
- مَن أثبتهم وسائطَ بينَ الرسول وأمته يبلِّغونهم ويعلمونَهُم ويؤدبونهم ويقتدون بهم: فقد أصاب في ذلك.
- وإن أثبتهم وسائطَ بين الله وبين خَلْقه كالحُجّاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هُم يَرفعون إلى الله حوائج خلقِهِ، فالله إنما يهدى عبادَه ويرزقهم بتوسُّطهم! فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم والناس يسألونهم! أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك؟! أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج!! فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أندادا وفى القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى»([15]).
وقال ابن القيم رحمه الله : «وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القَدْر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجَر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [الزمر:3] ثم شهد عليهم بالكفر والكذب وأخبر: أنه لا يهديهم فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًّا يزعُمُ أنه يقرِّبه إلى الله، وما أعز من يخلُص من هذا، بل ما أعز من لا يُعادي من أنكره، والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في الشفاعة لهم حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه، فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن الله له: صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعًا من دون الله ربه ومولاه»([16]).
قلت: فاحفظ ـ علَّمك الله ـ هاتين الآيتين وافهمهما فهم قلب، واحفظ أيضًا قولَه تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } [سبأ: 23ـ 22].
فإنها تقطع كل الأسباب التي يتعلّق بها المشركون، فالمشرك إنما يتخذ معبودَه لما يعتقد أنه يحصُل له به من النفع، والنَّفعُ لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:
ـ إما مالك لما يريده عابده منه.
ـ فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك.
ـ فإنْ لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا.
فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا؛ كان شفيعًا عنده.
وقد نفى الله سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترِتبًا متنقِّلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشِّركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشْرِك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفَى بهذه الآية نورًا وبرهانًا وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك وموادِّه لمن عقلها([17]).
ونستفيد من هذه القاعدة: أنَّ الذين يتخذون وسائط في هذه الأزمنة من مقبورين وسادات وأشراف لهم يعتقدون فيهم الصلاح ويعتقدون أنهم يقرِّبونهم إلى الله ويَشفعون لهم، فيصرفون لهم عبادات مختلفات فينذرون لهم، ويطوفون بهم، ويدعونهم من دون الله إلى غير ذلك: أن هذا شرك أكبر من جنس شرك كفار قريش.
قال العلامة الصنعاني رحمه الله : «وقد عرفْت من هذا كلّه أنَّ مَن اعتقدَ في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جنّي أو حيّ أو ميِّت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرِّب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفُّع به والتوسل إلى الرب تعالى: فإنه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقد المشركون في الأوثان، فضلًا عمَّن ينذر بماله وولده لميت أو حيّ أو يطلب من ذلك الميت ما لا يُطلب إلا من الله تعالى من الحاجات، من عافيةِ مريضِهِ أو قدوم غائبِهِ، أو نيلِهِ لأيّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان عليه عُبَّاد الأصنام.
والنَّذرُ بالمال على الميِّت ونحوه والنحْرُ على القبر والتوسُّل به وطلبُ الحاجات منه: هو بعينهِ الذي كانت تفعلُه الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعَلَهُ القبوريون لما يسمُّونه وليًّا وقبْرا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني»([18]).